محمد راغب الطباخ الحلبي
90
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
الطيور فهي سليمة لا توقعك في مثل هذا المحذور . وقال : ولما كسر القوم ولوا مدبرين إلى حلب فلم يقف بعضهم على بعض وظنوا أن العساكر وراءهم ركضا وراء ركض ، فتبعجت خيولهم وتموجت سيولهم وما صدقوا كيف يصلون إلى حلب ويغلقون أبوابها ويسكنون اضطرابها . وأما سيف الدين فإنه ركض في يومه من تل السلطان إلى بزاعة وجاوز في سوقه الاستطاعة وفرق وفارق الجماعة اه . وقال ابن الأثير في حوادث هذه السنة في أثناء الكلام على هذه الوقعة : سار صلاح الدين من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى سيف الدين فالتقى العسكران بتل السلطان وكان سيف الدين قد سبقه ، فلما وصل صلاح الدين كان وصوله العصر وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة . فأشار على سيف الدين جماعة بقتالهم وهم على هذا الحال ، فقال زلفندار : ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة ، غدا بكرة نأخذهم كلهم ، فترك القتال إلى الغد ، فلما أصبحوا اصطفوا للقتال فجعل زلفندار وهو المدبر للعسكر السيفي أعلامهم في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها ، فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان قد انهزم فلم يثبتوا وانهزموا لم يلو أخ على أخيه ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد . ووصل سيف الدين إلى حلب فنزل وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في جمع من العسكر ولم يقم هو وعبر الفرات وسار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو . ( ثم قال ) : وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه الوقعة عشرين ألف فارس ، ولم يكن كذلك إنما كان على التحقيق يزيدون على ستة آلاف فارس أقل من خمسمائة ، فإنني وقفت على جريدة العرض وترتيب العساكر للمصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية وغير ذلك ، وكان المتولي لذلك والكاتب له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم رحمه اللّه ، وإنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا والحق أحق أن يتبع ، ثم يا ليت شعري كم هي الموصل وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها وفيها عشرون ألف فارس اه . أقول : وفي قوله إنه لم يقتل سوى رجل واحد نظر لما سيأتيك عن ابن أبي طي . وقال في الروضتين : قال ابن أبي طي في وصف هذه الوقعة : إن ميسرة سيف الدين انكسرت فتحرك إلى جانبها ليكون ردأ لها ومددا ، فظن باقي العسكر أنه قد انهزم